29 - 03 - 2026

ملامح | خلطة ترامب السرية

ملامح | خلطة ترامب السرية

عندما تجلس أمام شاشات التليفزيون، وتقلب صفحات التواصل الاجتماعي، يستوقفك الأداء السينمائي وتدوينات رئيس مجلس إدارة الشركة الأمريكية للاستعمار والإرهاب المدعو بـ "دونالد ترامب"، التي تشعرك أنك أمام توليفة جمعت بين الفشر، والكذب، وإنكار الحقيقة، والنرجسية، وأنه صاحب نظرية جديدة.

 أبو لمعة

ترامب يذكرنا بفشر أبو لمعة، أشهر فشار في السينما والإذاعة المصرية، وهي شخصية من بنات أفكار الممثل والمعُلم التربوي محمد أحمد المصري، والمعروف بأبو لمعة، والتي اقتبسها من بائع حلوى في حي شبرا بالقاهرة، وكان فشار يصنع قصصا من خياله تشعرك بأنه أسد غضنفر، وسلطان زمانه، كانت حكاياته مسلية ومضحكة، صنعت بطولات ورقية.. مثل قوله "إنه كان ضمن منتخب لكرة القدم، وفي مباراة أمام المجر حضر المنافس ولم يحضر الفريق المصري، مما دفعه لارتداء 13 فانلة ومثلهم شورت و13 حذاء فوق بعضهم، ولعب المباراة".. ومن حكاياته أنه تشاجر مع زوجته ذات مرة فضربها بالسرير النائمة عليه، ثم حدفها من البلكونة سقطت على قطة، وكانت النتيجة ماتت القطة.

أبو لمعة المصري كان يعتمد على "الفشر" أو المبالغة التي تجعل المستمع في حالة ذهول، أما أبو لمعة الترامبي يستخدم نفس الأسلوب ليخلق انطباعاً بالعظمة والسيطرة المطلقة، ويستخدم "فشر" أبو لمعة ليخيف طهران من قوة قد لا تكون موجودة بالكامل على الأرض، فيقول أبو لمعة الترامبي "الإيرانيون يتواصلون معنا لوقف الحرب.. الإيرانيون يتوسلون إلينا للتوصل إلى اتفاق.. طلبوا 7 أيام لوقف الاعتداء على مصادر الطاقة لديهم فمنحهم 10 أيام".. ويقول أيضاً " إن الإيرانيين بينهم ناس جيدين ويرغبون في السلام" ثم يعود ليقول "لا نعرف مع من سنتحدث".. أما أكبر فشره لأبو لمعة الترامبي قوله" شكراً إيران لقد أهدتنا 10 ناقلات نفط".

في المقابل تنفي طهران التواصل مع واشنطن، وأنه منذ اندلاع الحرب لم يعبر مضيق هرمز أي ناقلات لأمريكا وأوروبا، وأصدر نواب مجلس الشورى الإيراني بياناً أكدوا فيه استمرار الدفاع المقدس حتى إرغام العدو على الندم القطعي، وتفكيك وإزالة جميع القواعد والقوات الأميركية والصهيونية من منطقة غرب آسيا، ومنع أي احتمال لاعتداء جديد على أراضي الجمهورية الإسلامية.

ويبقى الفارق قائماً، أبو لمعة المصري كان شخصية تعتمد على الفشر والمبالغة بهدف الضحك، أما أبو لمعة الترامبي فهي أداة لبناء صورة "البطل القوي" وصناعة "بروباجندا" تجذب الأنظار وتسيطر على العناوين، فهو يكذب ليخدعنا، و"يفشر" لإبهارنا ويجعلنا نشعر بضخامة الحدث، تماماً كما كان أبو لمعة المصري يقول: "كنت ماشي في الغابة ولقيت الأسد، رحت شايله وراميه في البحر"!! "

وكما أن "أبو لمعة" لم يكن ليعيش لولا وجود "الخواجة بيجو" الذي كان يصدقه (أو يتظاهر بتصديقه) بعبارته الشهيرة "يا نور عيني يا أبو لمعة" مغذيا فشر أبو لمعة بتصديقه، فإن ترامب لديه جيش من المريدين الذين يقدسون تصريحاته مهما بلغت غرابتها، (أمثال وزير الخارجية، ومبعوثه للشرق الأوسط، ووزير الحرب) وكأنهم يرفعون شعار "صدّقنا يا ترامب.. فشرك حلو" (!!)

 الصحاف الأمريكاني

تصريحات رئيس مجلس إدارة الشركة الأمريكية للاستعمار والإرهاب، تذكرنا بتصريحات وزير الإعلام العراقي الأسبق محمد سعيد الصحاف، الذي أصبح أيقونة عالمية في "إنكار الواقع المرير" بأسلوب لغوي فريد (مثل استخدامه لكلمة "العلوج") وبينما كانت القوات الأمريكية على مشارف بغداد، فسر انسحاب الجيش العراقي بأنه تكتيك لإبادة العلوج.. لقد كان لدى الصحاف قدرة بليغة على إنكار الواقع الميداني بلغة واثقة جداً حتى والخراب يحيط به.

هكذا هو حال الصحاف الأمريكي، يقول "خلال الأسابيع الماضية ضربنا قدرات إيران بصورة لا مثيل لها، لا أفضل استخدام القوة العسكرية، ولكننا نسحق صواريخهم ومسيراتهم وصناعتهم الدفاعية.. قضينا على منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية ودمرنا العديد من المصانع الحربية ونحن مستمرون في ذلك.. ألحقنا ضررا كبيرا بالمواقع الإيرانية التي تنتج المسيرات.. ولم يعد لدى إيران قوات بحرية"، لنفاجأ بأن موجات الصواريخ والمسيرات الإيرانية لإسرائيل والقواعد الأمريكية بالخليج والأردن لا تتوقف، وتعلن عن إسقاط طائرات "إف 15، وإف 16، وإف 35" فخر الصناعة العسكرية الأمريكية، وكذلك إسقاط طائرات تزود بالوقود، بل ويقول المتحدث باسم هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية" عندما تشن دولة هجوماً علينا فإننا نقوم بمعاقبتها والعالم أجمع أدرك الآن أن الجيش الأميركي لم يكن سوى "نمر من ورق وسنطارد الأمريكيين في المنطقة لنقتص منهم وقد اضطروا لأول مرة للفرار من قواعدهم واللجوء إلى الفنادق".

الواضح أن الصحاف العراقي ونظيره الأمريكي التقيا في "الثبات الانفعالي"؛ العراقي كان يبتسم وهو يتحدث عن العلوج بينما الدبابات خلفه، والأمريكي يغرد بمنتهى الثقة عن سحق المسيرات بينما التقارير الميدانية تقول عكس ذلك.

الكتاب الأخضر بنكهة الرأسمالية

يتقاطع العقيد الليبي معمر القذافي، مع نظيره الأمريكي، في كسر القوالب الجامدة، فكلاهما يبرع في إلقاء خطب ارتجالية مطولة تتجاوز الساعة، ينتقدان فيها النظام العالمي وخصومهم المحليين بجرأة صادمة. وكما مزق القذافي ميثاق الأمم المتحدة أمام ذهول العالم، مزق ترامب الاتفاقات الدولية بـ "جرة قلم"، مثل "اتفاقات المناخ والنووي الإيراني"، كما قرر الانسحاب من منظمة الصحة العالمية.. كلاهما لا يرى نفسه (موظفاً حكومياً) يلتزم بالبروتوكول، بل زعيماً صاحب رسالة؛ فإذا كان القذافي قد صاغ (الكتاب الأخضر) كنظرية عالمية ثالثة، فإن ترامب يطبق (نظرية الاستعمار الاقتصادي) التي تهدف للسيطرة على الثروات الطبيعية للبلاد، وتأميم حافظة نقود العالم بالبنك المركزي الأمريكي، وفي الوقت الذي رأى فيه القذافي أنه يستحق أن يكون ملك ملوك إفريقيا والعرب، فإن ترامب يرى نفسه أعظم قائد في العالم.، لذلك لا يتحدث بلغة "الرئيس الدبلوماسي"، بل بلغة "المنقذ" أو "صاحب السيادة المطلقة" الذي لا يتقيد بالبيروقراطية، كنظيره الليبي الذي كان يلقي في كل المحافل الدولية والإقليمية والمحلية خطاب زعامي.. كما كان القذافي يصر على نصب خيمته في قلب العواصم الكبرى كرمز للتمرد والأصالة، فيما يصر ترامب على وضع اسمه بخط عريض على ناطحات السحاب، كلاهما يستخدم "الرمزية البصرية" لفرض الحضور وتحدي المؤسسات التقليدية.

الخلاصة، ترامب "خلطة"سياسية فريدة؛ فهو يمتلك خيال "أبو لمعة" ليسوق لنفسه، وعناد الصحاف ليحمي نفسه من الهزيمة النفسية، ونزعة القذافي ليشعر بأنه فوق النظام.
---------------------------------
بقلم: محمد الضبع


مقالات اخرى للكاتب

ملامح | خلطة ترامب السرية